Archive for خواطر

قطرتي الزيت

2146364892_7f044d9ecd

ثمة تاجر كبير، أرسل ابنه ليكتشف سر السعادة عند أكثر الرجال حكمة، مشى الولد أربعين يوماً في الصحراء، ووصل إخيراً أمام قصر جميل يقع على قمة جبل، وهناك كان يعيش الحكيم الذي يجدُّ في البحث عنه.

فبدل أن يلتقي رجلاً مباركاً، فإن بطلنا داخل صالة تعج بنشاط كثيف: تجار يدخلون ويخرجون، وأناس يثرثرون، وفي إحدى الزوايا فرقة موسيقية صغيرة تعزف ألحاناً هادئة، وكان هناك مائدة محمّلة بمأكولات من أطيب وأشهى ما تنتج تلك البقعة من العالم. هذا هو الحكيم الذي يتحدث مع هذا وذلك، وكان على الشاب أن يصبر طيلة ساعتين حتى يأتي دوره.

أصغى الحكيم إلى الشاب الذي كان شرح له دوافع زيارته، لكن الحكيم أجابه أن لا وقت لديه كي يكشف له سر السعادة، وطلب منه القيام بجولة في القصر ثم العودة لرؤيته بعد ساعتين.

– أريد أن أطلب منك معروفاً ـ أضاف الحكيم وهو يعطي إلى الشاب ملعقة كان قد صب فيها قطرتين من الزيت ـ ، أمسك الملعقة بيدك طوال جولتك وحاول ألا ينسكب الزيت منها.

أخذ الشاب يهبط، ويصعد سلالم القصر، مثبتاً عينيه دائماً على الملعقة، وبعد ساعتين عاد إلى حضرة الحكيم.

– إذاً ـ سأل هذا، هل رأيت السجاد العجمي الموجود في صالة الطعام؟ هل رأيت الحديقة التي أمضى كبير الحدائقيين سنوات عشرة في تنظيمها؟ هل لاحظت أروقة مكتبتي الرائعة؟

كان على الشاب المرتبك أن يعترف بأنه لم يرَ شيئاً من كل هذا على الاطلاق، فشاغله الوحيد كان ألا تنسكب قطرتا الزيت التي عهد له الحكيم بهما.

– حسن، عد وتعرّف على عجائب عالمي ـ قال له الحكيم ـ فلا يمكن الوثوق برجل تجهل البيت الذي يسكنه.

اطمأن الشاب أكثر، وأخذا الملعقة، وعاد يتجول في القصر، معيراً انتباهه هذه المرة لكل روائع الفن التي كانت معلقة على الجدران، وفي السقوف، رأي البساتين والجبال المحيطة بها وروعة الزهور، والاتقان في وضع كل واحدة من تلك الروائع في مكانها المناسب، وعند عودته إلى الحكيم، روى له ما رآه بالتفصيل.

– ولكن أين قطرتي الزيت اللتين كنتُ عهدت لك بهما؟

نظر الشاب إلى الملعقة ولاحظ أنه قد سكبها.

– حسنٌ ـ قال حكيم الحكماء ـ هاك النصيحة الوحيدة التي سأقولها لك: ” سرّ السعادة هو بأن تنظر إلى عجائب الدنيا كلّها، ولكن دون أن تنسى أبداً وجود قطرتي الزيت في الملعقة “

توقيع :

يقول المنفلوطي : إن سعادة العيش وهناءته ، وراحة النفس وسكونها ، لاتأتي إلا من طريق واحدٍ هو الاعتدال .

————

* كلمات هذه الخاطرة منقولة من رواية الخيميائي

Advertisements

اكتب تعليقُا

كلمة النجاح السرية (حفم)

ماهي المقومات التي يحتاجها الإنسان كي يصبح ناجحاً ؟

هناك عدد من الجماعات في ورشات العمل الدراسية تحاول إقناع ألوف الأشخاص الذين يتبعون دوراتهم بأن كل شخص يمكنه في يوم من الأيام أن يحكم العالم !

وهذا أمر سهل ، ماعليك سوى أن تحرر شيكاً بمبلغ كبير ثم تمضي عطلة نهاية الأسبوع مع بضعة أمريكيين موهوبين بالتشتت الفكري يمطرونك بأسئلتهم ، وبعض الصور الملونة لقصور وسيارات مرسيدس .

اعذروني إذا كنت أبالغ في التهكم ، فتسعة وتسعون بالمئة من المغفلين الذين يتبعون هذه الدورات يعودون إلى ضبابيتهم السابقة ، والواحد بالمئة الباقي لديه جد فاحش الغنى على حافة قبره .

تختصر مقومات الأشخاص الناجحين في كلمة (حفم) وهي الأحرف الأولى من كلمات حكمة ، وفرصة ، وموهبة .

حفم= حكمة + فرصة + موهبة

أقصد بكلمة حكمة تلك السمة الشخصية المضللة التي تتشكل من مزيج من التعلم من الأخطاء دون أن تكون أخطاء مميتة ، وقراءة مابين السطور ، وأن تعرف متى تلتزم الصمت وتكون صبوراً ، لذلك تجدنا نربط الحكمة بالسن .

بكلمة الفرصة ، أعني ملاحظة أن بإمكانك أن تملك كل الحكمة والموهبة في العالم لكن إذا كنت تنتظر أن يهبط عليك رزقك من السماء فإنه لن يفعل . وإذا بدأ جدك الغني بالشكوى من ألم في الصدر يجدر بك ان توليه اهتماماً كبيراً وتحدثه عن مراجعة وصيته .

أما الموهبة فهي أن عليك إذا أردت أن تكون محاسباً ناجحاً أن يكون لديك معرفة بالأرقام ، وإذا أردت أن تكون مختصاً في جراحة الدماغ فربما يترتب عليك التخلص من ذلك الورم ، وإذا أردت أن تكون محامياً كبيراً لا بد لك من التخلص من الفأفأة .

هذا إذاً هو النجاح

توقيع :

النجاح هو أن تظفر بما تريد ، أما السعادة فهي أن تريد ماتظفر به .

————

* كلمات هذه الخاطرة منقولة من كتاب المزعجون من الناس وكيف تتعامل معهم

اكتب تعليقُا

المسجد

ينظرُ الإسلام إلى المسجد نظرة خاصة وهامة، من حيث اعتبارها ميداناً واسعاً، ومكاناً رحباً، يُعْبَدُ اللَّهُ تعالى في أرجائه ، ويطاع في سائر نواحيه وأجزائه, ولذا منحه فضائل فريدة، وميَّزَه بخصائص عديدة، باعتباره منطلق الدعوة إلى الخالق جل وعز ومركز الإشعاع الأول، الذي انطلقت من جنابته أحكام التشريع وانبعثت من ردهاته أشعة الإيمان ولقد عَظَّم الإسلامُ المسجد وأعلى مكانتَه، ورسَّخَ في النفوس قدسيتَه، فأضافه اللَّهُ تعالى إليه إضافةَ تشريفٍ وتكريم فقال تعالى: ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)سورة التوبة.

وإنما جماع الخير في ارتياد المسجد ، وذخيرة المسجد نعم زاد الانطلاق . ولقد أحصاها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما فقال : ” من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثماني خصال :
آية محكمة
و أخاً مستفاداً
و علماً مستطرفاً
و رحمة منتظرة
وكلمة تدله على هدى ، أو تردعه عن ردى . وترك الذنوب حياء ، أو خشية ” .

” فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع . هو فكر واحد لكل الرؤوس ، ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل . وكما يشق النهر فتـقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم , يقام المسجد فتـقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله ” .

” فما المسجد بناء ولا مكاناً كغيره من البناء والمكان ، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله و يضطرب ، فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها ، وهذه كلها يمحوها المسجد ، إذ يجمع الناس مراراً في كل يوم على سلامة الصدر ، وبراءة القلب و روحانية النفس ، ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه و أسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء ، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد ” .

أمامك كل يوم لحظة بالغداة ، ولحظة بالعشيّ ، ولحظة في السحر ، تستطيع أن تسمو فيها كلها بروحك الطهور إلى الملأ ، فتظفر بخير الدنيا والآخرة . وأمامك يوم الجمعة وليلتها تستطيع أن تملأ فيها يديك و قلبك وروحك بالفيض الهاطل من رحمة الله على عباده ، وأمامك مواسم الطاعات وأيام العبادات وليالي القربات التي وجهك إليها كتابك الكريم ورسولك العظيم ، فاحرص على أن تكون فيها من الذاكرين لا من الغافلين ، ومن العاملين لا من الخاملين ، واغتـنم الوقت ، فالوقت كالسيف ، ودع التسويف فلا أضر منه “

– أجب نبيك صلى الله عليه وسلم

  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تطهر في بيته ، ثم مشى  إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله ، كانت خطوتاه أحدهما تحط خطيئة ، والأخرى ترفع درجة ) .
  • وقال : ( من غدا إلى المسجد وراح أعدّ الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح ) .
  • وقال : ( أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ، و الذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام ) .
  • و عن جرير رضي الله عنه قال : ( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة ) .
  • و سأله ابن مسعود : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : ( الصلاة على وقتها ) .
  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها و خشوعها و ركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأتي كبيرة ، و كذلك الدهر كله ) .
  • وكانت آخر ابتسامة للنبي صلى الله عليه و سلم في الدنيا : ابتسامته للصلاة ، و ذلك لما كشف ستر الحجرة يوم الإثنين فرأى أبا بكر يؤمّ الصفوف .
  • وحث على صلاة الفجر وصلا ة العشاء فقال : ( من صلى البردين دخل الجنة ) .
  • وقال – وقد نظر إلى البدر – : ( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس و قبل غروبها فافعلوا . ثم قرأ : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب }
  • و قال : ( الذي تـفوته صلاة العصر كأنما وُتِرَ أهله و ماله ) أي فقدهما ، وفي لفظ : ( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) .

فأنت أيها المسلم ما بين ترهيب ينذرك النبي صلى الله عليه و سلم فيه حبوط العمل  وترغيب يشوقك فيه إلى قصور الجنة و رؤية الله فيها ، فأجب ، و إنه لثمن يغري و يطمع و يحرص عليه قبل الكساد ، وكن عند حسن ظن الفضيل ابن عياض فإنه تحدى وقال : ( ما حليت الجنة لأمة ثم لا ترى لها عاشقاً ) ، عاشقاً يخرج من أجلها في البردين ، وقل له : إني أنا العاشق .

فإن وجدت من نفسك ثقلاً و تكاسلاً فهناك مخاطبة لطيفة يمكن لك أن تخاطب بها نفسك فتـقول : هب أنك من العسكريين ، أو من عمال المخابز ، أو الصيادين أو .. ، أما كان يجب عليك التبكير في الاستيقاظ قبل الموظف و الطالب طاعة للنظام العسكري أو تـنافساً في طلب الرزق ؟ فالله سبحانه أحق أن يطاع ، وصلاة الفجر أحق أن ينافس فيها . فبمثل هذه المخاطبة لنفسك يحصل الحث لها إن شاء الله إن تراخت واستأنست بالنوم .

– حرص الأولين على الصلاة

  • كان السلف الصالح يستحبون الأناة في كل شيء ، إلا في الصلاة ، فقد قيل للأحنف بن قيس رضي الله عنه : ( إن فيك أناة شديدة ) فقال : ( قد عرفت من نفسي عجلة في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها ) .
  • وكان المحدث الثقة بشر بن الحسن يقال له : ( الصَفّي ) ، لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة .
  • و مثله : إبراهيم بن ميمون المروزي ، أحد الدعاة المحدثين الثقات من أصحاب عطاء بن أبي رباح ، وكانت مهنته الصياغة و طرق الذهب و الفضة . قالوا : ( كان فقيهاً فاضلاً ، من الآمَّارين بالمعروف . وقال ابن معين : كان إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردها ) .
  • وقيل لكثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط وقد أمَّ أهل حمص ستين سنة كاملة ، فقال : ” ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله ” .
  • وقال قاضي قضاة الشام سليمان بن حمزة المقدسي ، وهو من ذرية ابن قدامة صاحب كتاب المغني : ” لم أصلّ الفريضة قط منفرداً إلا مرتين ، وكأني لم أصلهما قط ” مع أنه قارب التسعين .

والسعيد من يتأمل ويقتدي

توقيع :

يمشون نحو بيوت الله إذ سمعوا **** ( الله أكبر ) في شوق وفي جذل
أرواحهم خشعت لله في أدب **** قلوبهم من جلال الله في وجل
نجواهم : ربنا جئناك طائعة **** نفوسنا ، وعصينا خادع الأمل
هم الرجال فلا يلهيهم لعب **** عن الصلاة ، ولا أكذوبة الكسل

————

* كلمات هذه الخاطرة منقولة من كتاب الرقائق لمحمد الراشد .

اكتب تعليقُا

نظم قرائتك

إن من واجب الشباب المسلم الذي يمتلك بعض أدوات التثقف وطرفاً من المعارف المختلفة أن يسعى إلى أن ينظم قراءاته ؛ لتكون أكثر فائدة . وهذا لن يتأتى إلا من خلال جعل جل مطالعاته هادفة ، ومخصصة لموضوع بعينه ، حيث لم يعد مجدياً اليوم أن يقنع المرء نفسه أنه متخصص في التاريخ أو الشريعة أو الفيزياء . . . فمن المتعذر اليوم أن يستمر نمط العالم الموسوعي الذي يلم بعلوم عصره .

ونموذج الفقيه المفسر الطبيب الفلكي الذي قدمه بعض علمائنا في التاريخ يبدو أنه قد انتهى إلى غير رجعه ، فعلى سبيل المثال كانت فروع العلوم الطبيعية في الولايات المتحدة الأمريكية قبل نصف قرن نحواً من ثلاثين فرعاً ، وهي الآن تزيد على ألف فرع ! .

ولايخفى على أحد أن (البحث العلمي) لدى أمتنا متخلف إذا اعتبر بما لدى دول العالم ، وذلك بسبب ضعف الإنفاق على مراكز البحوث ، وقلة المشتغلين بالتخصصات الفرعية المختلفة .

وإن باستطاعة كثيرين منا أن يجعلوا من بيوتهم ومكتباتهم ومكاتبهم الخاصة وحدات مصغرة للبحث العلمي ؛ وأشعر أن الذي يحول دون ذلم هو ضعف الوعي من جهة ، والكسل من جهة أخرى ، وهما العاملان الرئيسان اللذان قعدا بكثير من المتعلمين والمثقفين لدينا عن القيام بواجبهم في هذا المجال .

إن مايدرسه خريج كلية الشريعة – مثلاً – من علوم شرعية كاف لتكوين أرضية فكرية ومعرفية لابأس بها ، لكنه لايكفي أبداً لجعله باحثاً . والمطلوب منه أن يبحث في موضوع أو في فرع من فروعها الكثيرة ، ويجعله مركز اهتمامه وتنقيبه ومطالعاته .

إن أي شاب متوسط الذكاء يمكنه خلال خمس سنوات من القراءة الجيدة والجادة في (فقه الزكاة) أو (فقه الصلاة) أو (التأمين) أو (القياس) أو (اجتهاد الصحابة) . . . أن يصبح حجة ومرجعاً على مستوى قطر أو منطقة في موضوع من هذه الموضوعات وأشباهها ، وسيتمكن من إضافة أفكار كثيرة ، وبلورة مسائل عديدة من مسائله . . .

ويمكن أن يقال مثل هذا عن خريج اللغة العربية أو التاريخ أو الجغرافيا أو الطب أو الهندسة . . . وتصور معي لو أن 1% من خريجي كلية الشريعة اقتنعوا بهذه افكرة كيف ستكون الحال ؟!

سوف نجد أمامنا مئات الشباب الذين أصبحوا مراجع علمية موثوقة في مئات الموضوعات الشرعية ؛ مما يؤدي إلى تجديد العلوم الشرعية ، وإثراء مساحة التخصص بالكتابات الجادة والنتاج العلمي الرصين . . .

إن أصعب نقطة هي البداية ، لكن لنكن على ثقة أننا سندهش من أنفسنا عندما ننطلق ! لن يحتاج الأمر إلى تعطيل علاقاتنا الإجتماعية ، ولا أن يحبس الواحد منا نفسه في مكتب لايرى فيه الشمس . . . إن الأمر يحتاج إلى الإلتزام التزاماص جاداً ودقيقاً بقراءة ساعتين يومياً مدة خمس سنوات على نحو متواصل ، وستكون هناك – بإذن الله تعالى – نتائج باهرة ، هي فوق مانظن ، وأكثر مما نؤمل .

ولست أظن أن أمامنا سبيلاً أخرى لرفع مستوى المعرفة في بلادنا سوى هذا السبيل ، ولست أظن أننا عاجزون عن مثل هذا ، وإذا كنا عاجزين عنه ، فما هو الأمر الذي نستطيعه إذن ؟! .

توقيع :

الطريق لاتقطعه كاملاً في خطوة واحدة كبيرة ، ولكن تقطعه في خطوات صغيرة كثيرة .

————

* كلمات هذه الخاطرة منقولة من كتاب القراءة المثمرة للدكتور عبدالكريم بكار .

اكتب تعليقُا

متى ستبدأ التغيير ؟ *

كثيرا ما يحب الإنسان أن يبدأ صفحة جديدة فى حياته ٬ ولكنه يقرن هذه البداية المرغوبة بموعد مع الأقدار المجهولة ٬ كتحسن فى حالته ٬ أو تحول فى مكانته. وقد يقرنها بموسم معين ٬ أو مناسبة خاصة كعيد ميلاد ٬ أو غرة عام مثلا. وهو فى هذا التسويف يشعر بأن رافدا من روافد القوة المرموقة قد يجئ مع هذا الموعد ٬ فينشطه بعد خمول ويُمَنِّية بعد إياس!! .

وهذا وهم. فإن تجدد الحياة ينبع قبل كل شىء من داخل النفس.

والرجل المقبل على الدنيا بعزيمة وبصر لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت ٬ ولا تصرفه وفق هواها. إنه هو الذى يستفيد منها ٬ ويحتفظ بخصائصه أمامها ٬ كبذور الأزهار التى تُطمر تحت أكوام السبخ ٬ ثم هى تشق الطريق إلى أعلى مستقبلة ضوء الشمس برائحتها المنعشة!! ٬ لقد حولت الحمأ المسنون والماء الكدر إلى لون بهيج وعطر فواح… كذلك الإنسان إذا ملك نفسه وملك وقته ٬ واحتفظ بحرية الحركة لقاء ما يواجه من شئون كريهة ٬ إنه يقدر على فعل الكثير دون انتظار أمداد خارجية تساعده على ما يريد .

إنه بقواه الكامنة ٬ وملكاته المدفونة فيه ٬ والفرص المحدودة ٬ أو التافهة المتاحة له يستطيع أن يبنى حياته من جديد .

لا مكان للتريث ٬ إن الزمن قد يفد بعون يشد به أعصاب السائرين فى طريق الحق ٬ أما أن يهب المقعد طاقة على الخطو أو الجرى فذاك مستحيل .

لا تعلق بناء حياتك على أمنية يلدها الغيب ٬ فإن هذا الإرجاء لن يعود عليك بخير! .

الحاضر القريب الماثل بين يديك ٬ ونفسك هذه التى بين جنبيك ٬ والظروف الباسمة أو الكالحة التى تلتف حواليك ٬ هى وحدها الدعائم التى يتمخض عنها مستقبلك.فلا مكان لإبطاء أو انتظار ٬ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ` إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار ٬ ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل ` .

ثم إن كل تأخير لإنفاذ منهاج تجدد به حياتك ٬ وتصلح به أعمالك لا يعنى إلا إطالة الفترة الكابية التى تبغى الخلاص منها ٬ وبقاءك مهزوماً أمام نوازع الهوى والتفريط.بل قد يكون ذلك طريقاً إلى انحدار أشد ٬ وهنا الطامة.

ويبقى السؤال ، متى ستبدأ التغيير ؟

توقيع :

أصعب الصعاب إتخاذ القرار ! .

————

* الخاطرة من كتاب جدد حياتك لمحمد الغزالي

اكتب تعليقُا

ضياع الهدف النهائي*

تجمع الديانات والرسالات السماوية على تحديد هدف نهائي واحد لهذه الحياة ، هو : الفوز برضوان الله – عزوجل – ومايترتب على ذلك من النعيم المقيم في جنات الخلد .

وجود هذا الهدف لم يحفز الهمم على العمل فحسب ، وإنما أسبغ نوعاً من التوحد والمنطقية على مناشط الحياة كلها ، وجعلها معقولة ومفهومة .

ميزة هذا الهدف للحياة أن الأهداف الأخرى جميعها تصبح وسائل إليه ؛ مما يوجد إرتباطاً فريداً بين مجموعة الأهداف المختلفة .

سيطرة هذا الهدف على حس الناس ومشاعرهم وتصرفاتهم وحساباتهم كان باستمرار يشكل مخرجاً حيث لا مخرج ، وحلاً حيث لا حل ؛ فهدف على هذا المستوى يضحى بالحياة كلها من أجله ، وهذا مايفعله في الحقيقة الشهيد والملتزم التزاماً صارماً .

الشهيد والملتزم ، هما أعظم الناس نفعاً للبشرية ؛ لأنهما يعطيان للحياة ، ولايسحبان من رصيدها ، وإنما يسحبان من رصيد آخر ، هو رصيد الآخرة ، مما يخفف من كثير من الأزمات في زمان تتجه الأشياء كلها نحو (الندرة) وفي زمان لم يصبح فيه شيء بدون ثمن .

وجود هدف يسمو على مطالب الحياة الدنيا ، قد أعطى للإنسان طاقة هائلة في مواجهة الصعاب ، وتحمل لأواء الحياة ، فحين تنسد السبل ، وتنقطع حبال الرجاء ، يجد المسلم في معونة الله – تعالى – والأمل في تفريجه ، ونيل المثوبة منه ، مايفتح أمامه أبواباً جديدة ، فيتجاوز كل أسباب الألم والضيق ؛ إذ يتصل بمسبب الأسباب – جل وعلا – وهذا هو السر في الظاهرة العالمية المشهورة ؛ ظاهرة أن المسلم لا ينتحر ! أما الآخرون فإنهم ينتحرون لأسباب تافهة ، مع أنهم اخترعوا في وسائل السلامة والمرفهات أشياء كثيرة لا تخلو من المبالغة والاحتياط الشديد ! .

ولكن يبقى سؤال محير ماحال البشرية اليوم ، ومامدى إحساس الناس بهدف الأهداف ، والغاية الكبرى من الوجود على هذه البسيطة ؟ .

توقيع:

من هوان الدنيا على الله – تعالى – أنه لا يعصى إلا فيها ، ولاينال ماعنده إلا بتركها .

———————

* كلمات هذه الخاطرة منقولة من كتاب عصرنا والعيش في زمانه الصعب

Comments (1)

فكرة الموت

Death

قد تبدو فكرة الموت ، فكرة مربكة للبعض منا ، ولكن هي الحقيقة أو الوجه الآخر للحياة ، ربما يكون الإنسان الكائن الوحيد الذي يتحسس فناء الجسد ويشعر بأن الفناء ينتظره بالضفة الأخرى ، كأنه سفينة تحمله إلى العالم الآخر ..

والموت ليس نهاية الرحلة وإنما هو مرحلة في الطريق . ومايناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه كله ، إنما هو قسط من ذلك النصيب .

وتبقى فكرة الموت ، وفكرة فناء الجسد ، تثير فينا الدهشة والذعر حول مصيرنا ، ويبقى الموت ليس الفصل الأخير في حياتنا فقد يكون بداية لحياة رائعة .

قيل : إن أبا حامد الغزالي لما أحس دنو أجله قال لبعض أصحابه : ائتني بثوب جديد ! .

فقال له : ماتريد به ؟ .

قال أبو حامد : سألقى به الملك ! .

فجاءوه بالثوب ، فطلع به إلى بيته ، وأبطأ على أصحابه فلم يعد . .

فذهب إليه أصحابه يستطلعون نبأه ، فإذا هو ميت ، وإذا عند رأسه ورقة كتب فيها هذه الأبيات :

قل لإخوان رأوني ميتا

فرثوني ، وبكوا لي حزناً . .

أتظنوني بـأنـي مـيـتـكـم

ليس هذا الميت والله أنا . .

أنا في الصور وهذا جسدي

كان بيتي وقميصي زمنا

أنا عصفور وهذا قفصي

طرت عنه وبقى مرتهنا

أنا در قد حواه صدف

لامتحاني فنفيت المحنا

أحمد الله الذي خلصني

وبنى لي في المعالي سكنا

كنت قبل اليوم ميتاً بينكم

فحييت ، وخلعت الكفنا

وأنا اليوم أناجي ملأً

وأرى الله جهاراً علنا

قد ترحلت وخلفتكمو

لست أرضى داركم لي وطناً

لا تظنوا الموت موتاً إنه

كحياة وهو غايات المنى . .

لا ترعكم هجمة الموت فما

هي إلا نقلة من هاهنا . .

وهذه الأبيات ، سواء صحت نسبتها للغزالي أم لم تصح ، فهي صورة صحيحة للفكر الديني عما دار وراء الموت .

يقول سيد قطب : إن فكرة الموت ما تزال تخيل لنا، فنتصوره في كل مكان، ووراء كل شيء ونحسبه قوة طاغية تُظل الحياة والأحياء، ونرى الحياة بجانبه ضئيلة واجفة مذعورة .

إنني أنظر اللحظة فلا أراه إلا قوة ضئيلة حسيرة بجانب قوى الحياة الزاخرة الطافرة الغامرة، وما يكاد يصنع شيئاً إلا أن يلتقط الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات ! …

مد الحياة الزاخر هو ذا يعج من حولي ! … : كل شيء إلى نماء وتدفق وازدهار.. الأمهات تحمل وتضع، الناس والحيوان سواء. الطيور والأسماك والحشرات تدفع بالبيض المتفتح عن أحياء وحياة.. الأرض تتفجر بالنبت المتفتح عن أزهار وثمار.. السماء تتدفق بالمطر، والبحار تعج بالأمواج.. كل شيء ينمو على هذه الأرض ويزداد!

بين الحين والحين يندفع الموت فينهش نهشة ويمضي، أو يقبع حتى يلتقط بعض الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات ! والحياة ماضية في طريقها، حية متدفقة فوارة، لا تكاد تحس بالموت أو تراه !

لقد تصرخ مرة من الألم، حين ينهش الموت من جسمها نهشة، ولكن الجرح سرعان ما يندمل، وصرخة الألم سرعان ما تستحيل مراحاً.. ويندفع الناس والحيوان، والطير والأسماك، الدود والحشرات، العشب والأشجار، تغمر وجه الأرض بالحياة والأحياء !.. والموت قابع هنالك ينهش نهشة ويمضي.. أو يتسقط الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات !!..

الشمس تطلع، والشمس تغرب، والأرض من حولها تدور، والحياة تنبثق من هنا ومن هنا.. كل شيء إلى نماء.. نماء في العدد والنوع، نماء في الكم والكيف.. لو كان الموت يصنع شيئاً لوقف مد الحياة !.. ولكنه قوة ضئيلة حسيرة، بجانب قوة الحياة الزاخرة الطافرة الغامرة..!

من قوة الله الحي..: تنبثق الحياة وتنداح !!

توقيع :

إذا قضى الله لرجلٍ أن يموت بأرض جعل له إليها حاجه فيسيره إليها .

Comments (1)