نظم قرائتك

إن من واجب الشباب المسلم الذي يمتلك بعض أدوات التثقف وطرفاً من المعارف المختلفة أن يسعى إلى أن ينظم قراءاته ؛ لتكون أكثر فائدة . وهذا لن يتأتى إلا من خلال جعل جل مطالعاته هادفة ، ومخصصة لموضوع بعينه ، حيث لم يعد مجدياً اليوم أن يقنع المرء نفسه أنه متخصص في التاريخ أو الشريعة أو الفيزياء . . . فمن المتعذر اليوم أن يستمر نمط العالم الموسوعي الذي يلم بعلوم عصره .

ونموذج الفقيه المفسر الطبيب الفلكي الذي قدمه بعض علمائنا في التاريخ يبدو أنه قد انتهى إلى غير رجعه ، فعلى سبيل المثال كانت فروع العلوم الطبيعية في الولايات المتحدة الأمريكية قبل نصف قرن نحواً من ثلاثين فرعاً ، وهي الآن تزيد على ألف فرع ! .

ولايخفى على أحد أن (البحث العلمي) لدى أمتنا متخلف إذا اعتبر بما لدى دول العالم ، وذلك بسبب ضعف الإنفاق على مراكز البحوث ، وقلة المشتغلين بالتخصصات الفرعية المختلفة .

وإن باستطاعة كثيرين منا أن يجعلوا من بيوتهم ومكتباتهم ومكاتبهم الخاصة وحدات مصغرة للبحث العلمي ؛ وأشعر أن الذي يحول دون ذلم هو ضعف الوعي من جهة ، والكسل من جهة أخرى ، وهما العاملان الرئيسان اللذان قعدا بكثير من المتعلمين والمثقفين لدينا عن القيام بواجبهم في هذا المجال .

إن مايدرسه خريج كلية الشريعة – مثلاً – من علوم شرعية كاف لتكوين أرضية فكرية ومعرفية لابأس بها ، لكنه لايكفي أبداً لجعله باحثاً . والمطلوب منه أن يبحث في موضوع أو في فرع من فروعها الكثيرة ، ويجعله مركز اهتمامه وتنقيبه ومطالعاته .

إن أي شاب متوسط الذكاء يمكنه خلال خمس سنوات من القراءة الجيدة والجادة في (فقه الزكاة) أو (فقه الصلاة) أو (التأمين) أو (القياس) أو (اجتهاد الصحابة) . . . أن يصبح حجة ومرجعاً على مستوى قطر أو منطقة في موضوع من هذه الموضوعات وأشباهها ، وسيتمكن من إضافة أفكار كثيرة ، وبلورة مسائل عديدة من مسائله . . .

ويمكن أن يقال مثل هذا عن خريج اللغة العربية أو التاريخ أو الجغرافيا أو الطب أو الهندسة . . . وتصور معي لو أن 1% من خريجي كلية الشريعة اقتنعوا بهذه افكرة كيف ستكون الحال ؟!

سوف نجد أمامنا مئات الشباب الذين أصبحوا مراجع علمية موثوقة في مئات الموضوعات الشرعية ؛ مما يؤدي إلى تجديد العلوم الشرعية ، وإثراء مساحة التخصص بالكتابات الجادة والنتاج العلمي الرصين . . .

إن أصعب نقطة هي البداية ، لكن لنكن على ثقة أننا سندهش من أنفسنا عندما ننطلق ! لن يحتاج الأمر إلى تعطيل علاقاتنا الإجتماعية ، ولا أن يحبس الواحد منا نفسه في مكتب لايرى فيه الشمس . . . إن الأمر يحتاج إلى الإلتزام التزاماص جاداً ودقيقاً بقراءة ساعتين يومياً مدة خمس سنوات على نحو متواصل ، وستكون هناك – بإذن الله تعالى – نتائج باهرة ، هي فوق مانظن ، وأكثر مما نؤمل .

ولست أظن أن أمامنا سبيلاً أخرى لرفع مستوى المعرفة في بلادنا سوى هذا السبيل ، ولست أظن أننا عاجزون عن مثل هذا ، وإذا كنا عاجزين عنه ، فما هو الأمر الذي نستطيعه إذن ؟! .

توقيع :

الطريق لاتقطعه كاملاً في خطوة واحدة كبيرة ، ولكن تقطعه في خطوات صغيرة كثيرة .

————

* كلمات هذه الخاطرة منقولة من كتاب القراءة المثمرة للدكتور عبدالكريم بكار .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: